16-05-2010, 05:11 AM
|
#42
|
تاريخ التسجيل: Jan 2009
كلية: أخرى
نوع الدراسة: إنتظام
المستوى: منسحب
البلد: جدة
الجنس: ذكر
المشاركات: 473
|
« ومن حرَّم الكلامَ في الحبِّ ؟ » .. يقولُها الطنطاوي بصوتٍ عالٍ
| « ومن حرَّم الكلامَ في الحبِّ ؟ » .. يقولُها الطنطاوي بصوتٍ عالٍ |
هذا استفتاحُ مقالةِ « في الحـبِّ » للشيخ علي الطنطاوي -رَحِمَهُ الله تعالَى- من كتابه « صورٌ وخواطرٌ » (ص279) :
« ومن حرَّم الكلامَ في الحبِّ ؟ »
« والله الذي أمال الزهرة على الزهرة حتى تكون الثمرة، وعطف الحمامة على الحمامة حتى تنشأ البيضة، وأدنى الجبل من الجبل حتى يولد الوادي، ولوى الأرض في مسراها على الشمس حتى يتعاقب الليل والنهار، هو الذي ربط بالحب القلب بالقلب حتى يأتي الولد »
« ولولا الحب ما التفَّ الغصن على الغصن في الغابة النائية، ولا عطف الظبي على الظبية في الكناس البعيد، ولا حنى الجبل على الرابية الوادعة، ولا أمدَّ الينبوع الجدول الساعي نحو البحر »
« ولولا الحب ما بكى الغمامُ لجدبِ الأرض، ولا ضحكَت الأرضُ بزهرِ الربيعِ، ولا كانت الحياة »
« ما في الحـبِّ شيءٌ! ولا على المحبينَ سبيلٌ، إنماَ السبيلُ على من ينسى في الحب دينه، أو يضيع خلقه، أو يهدم رجولته، أو يشتري بلذة لحظة في الدنيا عذاب ألف سنة في جهنم. »
« ويا ليتَ الشبانَ يعودونَ إلى الحبِّ، فتقلَّ هذه الشرور، ويخفّ هذا الفساد. ولكن أنَّى يكونَ الحب، مع هذه الشهوات المتسعّرة؟ »
« وهل تسعُ هذه المقالةُ حديث الحب ؟»
« هل يوضعُ القمرُ في كفِّ غلامٍ، هل يُصبُّ البحرُ في كأسِ مدام؟ وأين لعمري الألفاظُ التي أحمِّلها معاني الحب؟ أين التعبيرُ الذي يترجمُ عن العاطِفَةِ؟ إنَّ البشرَ لا يزالون أطفالاً ما تعلَّموا الكلام، إنهم خُرسٌ يتكلَّمون بالإشارات؛ وما هذهِ اللُّغاتُ البشريَّةِ إلا إشاراتُ الخُرسانِ، وإلا فأينَ الألفاظُ التي تصفُ ألوانَ الغروبِ، ورجفاتِ الأنغامِ، وهواجسَ القلوبِ ؟ »
« الحبُّ عالمٌ من العواطفِ، ودنيا من المشاعِرِ، فيها كلُّ عجيبٍ وغريبٍ وليسَ لنا إليه إلاَّ هذه الكوَّة الضيِّقة، الكلمةُ القصيرةُ ذات الحرفين: الحاء والباء(1)، الحاء التي تمثِّلُ الحنانَ، والباءُ التي تجعلُ الفمَ وهو ينطقُ بها، كأنه متهيِّئ لقبلةٍ، كلمةَ ( الحب ) . ولكن، كم بين حب وحب؟ »
« بينَ ( حب ) التلميذ مدرسته، و ( حب ) الوالد لولده، و ( حب ) الصديق صديقته، و ( حب ) المتشائم الوحدة، و ( حب ) أكلةٍ من الأكلات، و ( حب ) منظر من مناظر الطبيعة، و ( حب ) كتابٍ من الكتب . . . وبينَ ( حب ) المجنون ليلاَه ؟ »
« وحب العاشقين أنواعٌ وأنواعٌ . ففي أيِّ الحبِّ أتحدَّث؟ وكيف أجمعُ أطرافَ الكلامِ حتى أحشُرَهُ في هذه الصفحاتِ، ولو لبثتُ شهرًا أكتبُ كلَّ يومٍ فصلاً ما أتيتُ على ما في نفسي ولما وفيتُ حقَّه في الموضوعِ. »
.... وللمقالةِ تتمَّةٍ تُنظَرُ في مصدرِها(2) . وباللهِ التوفيقِ.
______________________________
(1) يعجبنِي في فلسفةِ الحبِّ غوصَ الأدباءِ فيهِ حتى يَبلُغَ منْ تفلسُفِهِم فيهِ انشغالَهُم بحروفِه وتفنُّنِهِم في وصفِهاَ. وتذكرتُ في هذا السياقِ قولَ المربِّي الشيخ عيسى البيانوني الحلبي -المتوفى 1364هـ من أبياتٍ لَهُ في مدحِ سيدِ المرسلينِ صلواتُ ربي وسلامُه عليهِ- : عذابُ الحبِّ للعشاقِ عَذْبٌ = وأجملُ لذَّةٍ فيه البكاءُ
وأكملُ حالِ الإنسانِ صِدْقٌ = وأفضلُ وصفِهِ حاءٌ وباءُ
(2) في تتمَّةِ المقالةِ تجدُ إشارةَ الشيخِ الطنطاوي إلى أنَّ لثلاثٍ من علماءِ الإسلامِ مؤلَّفاتٍ في الحبِّ. فلابنِ القيمِ كتاب « روضةِ المحبينِ ونزهةِ المشتاقينِ » ولابنِ حزمٍ « طوقَ الحمامَةِ في الألفةِ والإلافِ » ولابنِ داود الظاهري « الزهرة ». وتوسَّع أكثرَ في موضوعِ الكلامِ في الحبِّ وإبداعِ علماءِ الإسلامِ فيهِ في مقالتِه « من غزَلِ الفقهاءِ » وهذهِ المقالةُ مطبوعةٌ طبعةً وحدَها، وأيضا هيَ ضِمنَ كتابه « فكرٌ ومباحثٌ » (ص39).
|
|
|
|
|
|