الفصل الثالث
النظريات المفسرة للتغير الاجتماعى والثقافى
1- بذور نظريات التغير الاجتماعى ظهرت فى القرن التاسع عشر ، ولم تنقطع عن التطور ، ولم تقض واحدة على الاخرى ، بإستثناء النظريات الحتمية التى تكاد تكون قد اختفت تقريباً .
2- نظريات التغير الاجتماعى تطورت وازدادت دقة ، وانتقلت من مرحلة التفكير التأملى والتاريخ الظنى الى الاحتكام الى الواقع وحشد البراهين التاريخية الدالة على صحة النظرية .
3- بالرغم من هذا فإن اياً من هذه النظريات لم يتوصل الى كلمة نهائية فى رصد ظواهر التغير وتفسيرها ، ويرجع السبب فى هذا الى ان الواقع الاجتماعى يكشف دائما عن ادلة وبراهين جديدة ، اذا دعمت بعض النظريات فقد تؤدى الى زيف نظريات اخرى .
4- لهذا فان الحديث عن نظرية للتغير الاجتماعى يجب ان يحاط بالحذر ، فى ضوء الحقيقة التى مؤداها ان التاريخ يمكن ان يزيف اى نظرية .
5- هذا لا يعنى التقليل من شأن نظريات التغير الاجتماعى التى ظهرت ، ولكنه يفسر لنا لماذا تعددت هذه النظريات ولماذا اختلفت .
6- المتأمل لتاريخ هذه النظرات يكتشف انها قطعت اشواطا كبيرة فى فهم ظاهرة التغير الاجتماعى . وسوف يتضح لنا من خلال العرض التالى مدى صدق هذه الحقيقة .
نظريات التغير الاجتماعى
اولاً : النظريات الحتمية
• هى تلك التى تركز على عامل واحد فحسب ، وتفترض كل نظرية من هذه النظريات ان عاملاً واحداً – كالاقنصاد او المناخ او غيرها – هو العامل الوحيد الذى يحرك كل العوامل الاخرى .
• توصف هذه النظريات بانها نظريات إختزالية ، اى انها تختزل كل العوامل فى عامل واحد ، وتعتبر ان هذا العامل هو العامل الكافى وحده لحدوث التغير .
• من النظريات الحتمية
ا- النظرية الجغرافية :
هناك اعتقاد قديم سائد بان ثمة علاقة بين طبيعة الطقس الذى يعيش فيه الانسان وبين طابعه الاجتماعى .
ولقد تأثر المنظرون الاجتماعيون الاوائل بهذا الاعتقاد ، وحاولوا من خلاله ان يميزوا اوجه التشابه والاختلاف بين البشر ، وكانت النتيجة نظرية شاملة فى الحتمية الجغرافية .
بالرغم من ان فكرة الحتمية الجغرافية فكرة قديمة ، الا انها شاعت من خلال استخدام عدد من المفكرين لها فى تفسير نشأة المجتمعات وتغيرها .
من اشهر هؤلاء الجغرافى الامريكى ( هنتنجتون 1965) الذى استخدم هذا المفهوم لا فى تفسير تغير الاختلاف بين البشر فحسب ، ولكن فى تفسير تغير المجتمعات . الكتاب ص 120 – 121 .
ب - الحتمية البيولوجية :
تتأسس على فرضية مؤداها ان الناس فى العالم ينقسمون الى اجناس وجماعات متميزة بيولوجيا ً، وان الاجناس تختلف فى قدرتها على تطوير الحياة الاجتماعية وتنميتها ، وان نوعية الحياة لدى شعب من الشعوب هى مؤشر على قدراتها البيولوجية – العرقية .
وفى ضوء ذلك تتبلور الفروق بين الشعوب .كما تفسر التغيرات الاجتماعية التى تظهر لدى هذه الشعوب ، سواء التغيرات السلبية ( المرتبطة بالتخلف او التقهقر الحضارى ) ، او التغيرات الايجابية التى تفسر بظهور اشكال من التفوق الكامن فى شعب من الشعوب .
تقوم هذه النظرية على فرضية سادت فى مجتمعات قديمة منذ القدم ، وهى تلك الخاصة بتفوق طبقات داخل المجتمع على طبقات اخرى . وإرتباط هذا التفوق بالخصائص البيولوجية .
لعب ( دى جوبيون 1816 – 1882 ) دوراً فى ترويج هذه الفكرة من خلال بحثه عن تفاوت السلالات البشرية الذى ربط فيه بين تفوق شعب من الشعوب او انحطاطه وبين خصائصه العرقية . وشن حرباً على الاشتراكية لمحاولتها خلق نوع من المساواة بين البشر .
من المتغيرات البيولوجية التى يتم التركيز عليها :
1- اثر التفاوت الوراثى على التغير الاجتماعى .
2- اثر التفاوت بين الافراد فى الذكاء والامكانات الجسمية والنفسية .
3- اثر البيئة الصحية على التطور والنمو الاقتصادى .
4- اثر الانتخاب الطبيعى والاصطناعى على الاشكال المختلفة لهرم السكان .
نقد النظرية :
1- انها نظريات اختزالية ذات نظرة احادية .
2- انها نظريات متحيزة تميل الى تبرير افكار بعينها كتفوق شعب من الشعوب او سيطرة شعب من الشعوب على شعب أخر .
3- انها نظريات غير علمية لانها تؤكد سببا واحدا دون تمحيص علمى دقيق فى الاسباب الاخرى .
4- ادت الى كثير من الصراعات بين الشعوب .
5- انها ولدت اشكال من العنصرية السياسية التى يعانى منها عالمنا المعاصر .
ثانياُ : النظريات التطورية
1-انتشرت النظريات التطورية فى القرن التاسع عشر .
2- ظهرت من خلال الاعتقاد بان المجتمعات تسير فى مسار واحد محدد سلفاً عبر مراحل يمكن التعرف عليها .
3- يتفق التطوريون على هذه القضية ، ولكنهم يختلفون حول قضايا ثلاث :
ا- تتصل بمراحل التطور .
ب- حول العامل الرئيسى المحرك للتطور ، افكار ومعتقدات ام تكنولوجيا وعناصر مادية .
ج- تتصل بوجهة التطور ، خطى تقدمى ام مسلك دائرى .
• أ - النظريات الخطية :
1- هى نظريات تهتم بالتحولات التقدمية المستمرة او المطردة الموصلة فى النهاية الى هدف محدد ، ويمر المجتمع فى حالة تحوله نحو تحقيق هذا الهدف بمراحل او خطوات ثابتة .
2- هذه الفكرة هى فكرة قديمة ظهرت فى الفلسفة الاغريقية القديمة ، واعيد احياؤها فى عصر التنوير على يد ( فيكو ) الذى حدد مسار المجتمع فى ثلاث مراحل اساسية فى ضوء علاقة الانسان يقوى ما فوق الطبيعة .
3- قويت هذه الفكرة فى القرن التاسع عشر عندما انشغل المفكرون الاجتماعيون بالبحث عن الاصول الاولى لمجتمعاتهم ومحاولة تحديد المرحلة التاريخية التى وصلت اليها هذه المجتمعات .
سار الفكر التطورى فى خطين رئيسين فى محاولة تحديده لمراحل التطور :
1- التركيز على عنصر واحد من عناصر الحياة الاجتماعية او الثقافية وتحديد المراحل الزمنية التى سارت فيها المجتمعات وفقاً لهذا العنصر .
مال البعض الى التركيز على الجوانب الاقتصادية ، ومال البعض الآخر الى التركيز على الاسرة كمؤسسة اجتماعية .
2- بدلاً من التركيز على عنصر واحد ، مال بعض التطوريين الى النظر للتطورالكلى فى البناء الاجتماعى او الثقافى . وتحديد المراحل بشكل كلى دون التركيز على عنصر بعينه .
مثال ذلك :
نظرية اوجست كونت عن تطور المجتمعات من المرحلة الوضعية.
ونظرية ماركس فى التحول من المجتمع المشاعى الى المجتمع الاقطاعى الى المجتمع الرأسمالى الى المجتمع الشيوعى .
ونظرية سبنسر عن التحول من المجتمع العسكرى الى المجتمع الصناعى ، ذلك التحول الذى يصاحبه تحول من حالة التجانس المطلق الى حالة اللا تجانس غير المستقر .
وسواء ركزت النظرية على متغير واحد او على المجتمع ككل ، فان التطورية الخطية تتميز بتحديد مراحل تقدمية تسير نحو هدف محدد .
يكمن الخلاف بين المفكرين التطوريين فى عنصرين اساسيين :
الاول : يرتبط بعدد مراحل التطور .
الثانى : يرتبط بطبيعة العامل المحرك للتغير .
اوجست كونت يرى ان الانسانية تسير سيرا تلقائيا تقدميا ، والتقدم فى نظره سير اجتماعى نحو هدف معين ، وهذا السير يخضع لقوانين ضروروية هى التى تحدد بالضبط مداه وسرعته ، ويستدل كونت على خضوع الانسانية لظاهرة التقدم والارتقاء المطرد ، بانها مرت بثلاث مراحل :
1- الحياة الاجتماعية فى العصور القديمة .
2- الحياة الاجتماعية فى القرون الوسطى المسيحية .
3- التنظيم الاجتماعى الذى قام غداة الثورة الفرنسية .
تقرير كونت للمراحل الثلاثة يؤكد فكرته فى التطور الارتقائى ويزيد على ذلك بان الارتقاء واضح فى مظهرين :
حالتنا الاجتماعية – طبيعتنا الانسانية .
التقدم الاجتماعى فى نظره مظهر من مظاهر التطور العقلى ، وقوانينه مستمدة من قوانين تطور الفكر التى تصور انتقال التفكير الانسانى من المرحلة اللاهوتية الى المرحلة الفلسفية الميتافيزيقية ، ثم الى المرحلة العلمية الوضعية .
هنرى مورجان يفترض ان مراحل التطور التكنولوجى ونظم القرابة ترتبط بمختلف المؤسسات الاجتماعية والسياسية .
استنتج ان الثقافة تتطور فى مراحل متتابعة ، وان ترتيب هذه المراحل هو ترتيب حتمى ، وان محتواها محدد لان العمليات العقلية تتشابه بين الناس فى ظل ظروف متشابهة فى المجتمعات المختلفة .
وصف تقدم النوع الانسانى من خلال ثلاث مراحل رئيسية للتطور :
المرحلة البدائية : وقسمها الى علي ووسطى ودنيا .
المرحلة البربرية : وقسمها الى عليا ووسطى ودنيا .
مرحلة المدنية .
ويؤكد مورجان ان كل مرحلة قد بدأت بابتكار تكنولوجى اساسى .
ويؤكد ان كل مرحلة من مراحل التطور التكنولوجى ترتبط بعلاقة متبادلة مع تطورات مميزة فى الاسرة والدين والنظام السياسى وتنظيم الملكية .
ب – النظريات الدائرية :
يذهب اصحاب هذه النظريات الى ان التغير يتجه صعودا وهبوطا فى تموجات على شكل انصاف دوائر متتابعة وبنظام مطرد ، بحيث يعود المجتمع من حيث بدأ فى دورة معينة .
تنقسم النظريات الدائرية الى نوعين :
1- بعضها يفسر جانبا محدودا من جوانب الحياة الاجتماعية او يشرح ظاهرة او نظاما اجتماعيا واحدا .
2- بعضها يهدف الى تفسير المجرى العام للتاريخ ، متناولا جميع الظواهر والنظم والانساق الاجتماعية دون ان يركز على ظاهرة واحدة او نظام بذاته .
من اصحاب النظريات الدائرية :
ابن خلدون – فيكو
شبنجلر – توينبى
يرى ابن خلدون ان المجتمع الانسانى كالفرد يمر بمراحل منذ ولادته حتى وفاته .
وان للدول اعمار كالاشخاص سواء بسواء ، وعمر الدولة فى العادة ثلاثة اجيال ، والجيل اربعون سنة ، فعمر الدولة إذن 120 سنة ، وفى هذه الاجيال الثلاثة يمر المجتمع بمراحل ثلاث هى :
1- مرحلة النشأة والتكوين وهى مرحلة البداوة .
2- مرحلة النضج والاكتمال وهى مرحلة الملك ، وفيها يتحول المجتمع من البداوة الى الحضارة .
3- مرحلة الهرم والشيخوخة وهى مرحلة الترف والنعيم او الحضارة ، ويبلغ الترف ذروته ، وينتهى الامر بالمجتمع الى الهرم .
كما يمثل الفيلسوف المعاصر ( ارنولد توينبى ) افضل معرفة لتلك النظريات الدائرية ، ويتضح ذلك فى كتابه ( التاريخ ) الذى حاول فيه البحث عن الاسباب العامة لارتقاء وانحدار الحضارات .
يؤكد ان فكرة ( التحدى والاستجابة ) تمثل سبب نقل القوى ، فيرى ان الاستجابات الناجحة للتحديات تنتج عنها عناصر النمو .
وتستمر الحضارات فى النمو طالما استمرت اقليتها المختارة فى استجاباتها الخلاقة المتكافئة مع التحديات الجديدة .
اما عملية الانحلال فتبدأ حين تفقد هذه الاقليات ديناميكيتها ولا تستطيع ان تستجيب بشكل خلاق للتحديات الجديدة .
يذهب توينبى الى القول بان الحركة الدائرية تنطبق على كل الحضارات ، وان كان يتميز بعضها بالعقم ، والآخر بالتوقف الى حين .
الصور الحديثة التطورية :
رغم ان البعض يؤكدون ان التطورية المحدثة قد تخلصت من كثير من مشكلات التطورية الكلاسيكية .
لم يعد الفكر التطورى يركز على الحتمية التاريخية .
لم يعد يركز على احادية التطور .
لم يعد يناظر بين التطور على المستوى البيولوجى ونظيره على المستوى الاجتماعى .
بالرغم من ذلك كله ، الا اننا لا نجد خلافا كبيرا بين الفكر التطورى القديم والفكر التطورى المحدث ، بل ان الفكر التطورى – قديمه وحديثه – قد نشأ لتحقيق نفس الهدف ، وهو تأكيد تفوق الحضارة الغربية وتقدمها .
نماذج من الفكر التطورى الحديث :
- نظرية نهاية التاريخ :
من احدث نظريات التطور ، قدمها المفكر الامريكى ( فرنسيس فوكوياما )
1989 م بعد سقوط الاشتراكية فى الاتحاد السوفيتى ودول اوروبا الشرقية .
تتأسس هذه النظرية على آراء هيجل التطورية التى تنظر الى التطور على انه انطلاق نحو الكمال ، العقل الكامل ، الدولة الكاملة والقيم المطلقة ، انه تطور نحو المطلق يختمه قانون الجدل ويسعى به الى افضل الصور واكملها .
لقد اعتمد فوكوياما على فكرة هيجل حول :
الرغبة فى الاعتراف والتقدير . والتى اعتبرها هيجل فكرة محركة للتاريخ .
ينظر فوكوياما الى الديمقراطية الليبرالية المعاصرة ، والتى تمثلها امريكا ، على انها الغت فكرة العلاقة بين السادة والعبيد ، والتى كانت موجودة بشكل او بآخر فى النظم السياسية الاخرى .
كانت هذه النظم تنشغل بالبحث عن الاعتراف ، الذى يتمثل فى صورته الملموسة فى النزاع بين شخصين متحاربين .
ان هذه الرغبة فى الاعتراف هى التى تجعل ايا منهما يموت استسلاما للآخر ،
وهى التى تجعل النظم السياسية تتأسس على علاقات تسلطية ، وهى التى تجعل دولا تسيطر على دول اخرى وتقيم امبراطوريات .
لقد ظل الامر هكذا طوال البشرية ، طالما ان الرغبة فى انتزاع الاعتراف تتأسس على اسس لاعقلانية . اما الليبرالية الديمقراطية – التى ظهرت بعد الثورة الفرنسية والثورة الامريكية – فقد بدلت الرغبة غير العقلانية فى الاعتراف بالدولة او الفرد ، واحلت محلها رغبة عقلانية فى الاعتراف بالدولة او الفرد ، على اساس من المساواة
ويعنى ذلك ان الليبرالية الديمقراطية قد حلت معضلة الصراع التاريخى من خلال قيمة المساواة .
وهى بذلك تكون قد اوقفت التاريخ عن الحركة ، فهى إذن نهاية التاريخ وسوف تتطور نفس المجتمعات لتصل الى نفس هذه النهاية .
وليس ثمة مجال آخر للتطور بعد الديمقراطية الليبرالية التى تحقق للفرد ذاته وكماله وتخلق اطارا من المساواة ، وتختفى فيه السيطرة الامبيريالية .
ثالثا : النظريات البنائية – الوظيفية
1- شجبت الوظيفية فكرة فهم المجتمع فى ضوء تاريخه .
2- شجبت فكرة مراحل التطور .
3- حاولت الوظيفية ان تفهم المجتمع فى ضوء ظروفه المعاصرة ، وفى ضوء العلاقات المتبادلة بين مكوناته .
تعتمد النظرية البنائية الوظيفية فى تحليلاتها على مفهومين رئيسين هما :
مفهوم البناء ومفهوم الوظيفة
يشير مفهوم البناء الى العلاقات المستمرة الثابتة بين الوحدات الاجتماعية
يشير مفهوم الوظيفة الى النتائج او الآثار المترتبة على النشاط الاجتماعى .
البناء يكشف عن الجوانب الهيكلية الثابتة .
تشير الوظيفة الى الجوانب الدينامية داخل البناء الاجتماعى ، والذى امكن من خلاله تحليل الجوانب الهيكلية والجوانب الدينامية الوظيفية .
المجتمع نسق يتكون من مجموعة من الانساق الفرعية يؤدى كل منها وظيفة محددة
يعد عالم الاجتماع الامريكى ( تالكوت بارسونز ) اشهر من طّور الافكار الوظيفية فى هذا الاتجاه .
ان المجتمع عند بارسونز هو احد الانساق الاساسية للفعل التى حددها بارسونز فى اربعة انساق : النسق العضوى – نسق الشخصية – المجتمع – الثقافة
المجتمع بدوره ينقسم من الداخل الى اربعة انساق فرعية هى :
الاقتصاد – السياسة – الروابط المجتمعية – نظم التنشئة الاجتماعية .
المجتمع كنسق يعيش فى حالة توازن من الداخل حيث يحقق انساق علاقات منتظمة ومتوازنة .
عندما يتعرض المجتمع لحالة تغير ، فانه لا يفقد توازنه ، فهذا التوازن دينامى ومستمر ، لذلك فانه يمكن للمجتمع دائما من ان يتكيف مع التغيرات الجديدة ، ويدمجها داخل بنائه .
عند بارسونز نوعان من التغير :
1- التغيرات قصيرة المدى :هى تغيرات تظهر داخل المجتمع نتيجة عوامل داخلية ( من داخل المجتمع كالتوترات التى تفرض اتجاها للتغير مثل تلك الناتجة عن ظهور الاختراعات والافكار الجديدة ) .
او عوامل خارجية ( تظهر فى اى نسق من الانساق التى تشكل بيئة المجتمع كتغير اساليب استغلال الطبيعة ، او الحروب ) .
ان هذه التغيرات تحدث تأثيرا على حالة التوازن التى ينتظم فيها المجتمع .
انها تكسر التوازن او تهدده من جراء ما تخلفه من توترات فى بناء العلاقات الداخلية بين مكونات النسق الاجتماعى .
إذا استمرت هذه التغيرات ، فقد تؤدى الى القضاء على المجتمع او الى إحداث تغيرات بنائية عامة فيه ( كما يحدث فى حالة الثورات ) ، ولكن هذا لا يحدث الا فى ظروف نادرة .
لماذا ؟ لان المجتمعات لديها قدرة تكيفية داخلية ناتجة من حالة التوازن الدينامى التى يتميز بها المجتمع .
عندما تحدث التوترات والضغوط المولدة للتغير داخل المجتمع ، فانها تؤثر على حالة التوازن ، ولكن المجتمع ما يلبث ان يمتص هذه التوترات والضغوط ويستعيد توازنه ويظل محتفظاً بهذه الحالة من التوازن ، حتى تظهر توترات اخرى ، وهكذا يوصف التوازن بانه دينامى . اى مستمر قابل لان يستوعب كل ماهو جديد . وان يعيد تكيف النسق معه بحيث تظهر التغيرات فى اضيق الحدود .
وتتصف التغيرات قصيرة المدى داخل النسق الاجتماعى بعدة خصائص :
أ – تدريجية لا تؤدى الى انهيار النسق او تغيره بشكل جذرى
ب- ترتبط بعمليتين ملازمتين هما التوازن واللاتوازن . تعتبر الاولى دائمة . والثانية عملية عارضة .
ج- جوهر التغير هو التغير البنائى الوظيفى .
د- الاتفاق العام على القيم وادوات الضبط هما اللذان يحفظان للنسق الاجتماعى توازنه الدائم .
2- التغيرات بعيدة المدى :
اى تغيرات واسعة النطاق تحدث على فترات متباعدة .
فسر بارسونز هذه التغيرات من خلال مفهوم العموميات التطورية .
يقصد بالعمومية التطورية : التجديد البنائى الذى له قدرة على الاستمرار والبقاء ، ويخلق بدوره تجديدات وتطويرات اخرى ، انهاتخلق ضربا من الانكسار فى البناء القائم ، وتدفعه الى آفاق جديدة من التغير .
هذه العموميات التطورية هى التى خلقت كل التحولات بعيدة المدى فى تطور المجتمعات ، فظهور نسق الشرعية الثقافية وظهور نسق التدرج الاجتماعى ، قد ادى الى ان تتحول المجتمعات البدائية الى مجتمعات وسيطة .
كما ان ظهور النقود والاسواق والقانون هو الذى ادى الى تحول المجتمعات الوسيطة الى مجتمعات حديثة .
عندما تظهر العمومية التطورية ، تخلق تبايناً اجتماعياً واسع النطاق ، وتحولات بنائية ملموسة ، ولكن هذا التباين لا بد وان يقابله عمليات تكامل تضبط هذا التحول وتقوده ، الى ان يصبح هذا التحول الذى خلقته العمومية التطورية تحولاً عاماً او طبيعياً .
استخدم بارسونز هذا التحليل لرصد حركة التطور فى المجتمعات الحديثة عبر تطورها من المرحلة البدائية الى المرحلة الوسيطة الى المرحلة الحديثة .
ج- نظرية التحديث الوظيفية :
اى يحدث التغير الاجتماعى فى الابنية التقليدية ( التى تقع خارج نطاق المجتمعات الصناعية الحديثة ) من خلال عوامل خارجية ناتجة عن عملية اتصالها بمصدر الثقافة الحديثة الغربية ، فالاتصال الثقافى بالحضارة الغربية يؤدى الى نشر الثقافة الحديثة فى شكل دوائر تتسع باستمرار الى ان تشمل قطاعات المجتمع باسره .
وتقاس التقليدية هنا بدرجة سكون البناء الاجتماعى ، وتجانسه ، وانخفاض مستوى التكنولوجيا ، وانخفاض نصيب الفرد من الدخل القومى .
عندما يحدث هذا الاتصال تبدأ الثقافة التقليدية فى الخروج من جمودها وتشهد عمليات تباين واسعة النطاق تؤدى الى تغيرها لكى تقترب من النموذج المثالى فى المجتمعات الغربية .
ويطلق على هذه العملية ( عملية التنمية او التحديث ) ، وهى عملية تتمثل فى اكتساب واستيعاب المجتمعات النامية لقيم العمومية والانجاز والتخصص ، وهى القيم التى تتأسس عليها الثقافة الحديثة .
ان التغير الاجتماعى المرتبط بعمليتى التنمية والتحديث ليس تغيرا جذريا ، بل هو تغير تدريجى ( خطى وتقدمى ) يتم بقتضاه تحول الابنية التقليدية الى ابنية حديثة .
ويفرز التغير اثناء حدوثه بعض المشكلات كالتناقض بين القديم والجديد ، وحدوث ( الهوة الثقافية ) .الكتاب
كل هذه التوترات تكون طبيعية وسوف تختفى بالتدريج مع الاتساع فى عملية التغير على اختلاف بين المجتمعات فى درجة الاستيعاب لهذه التناقضات والتغلب عليها .
وكلما كان المجتمع اكثر قدرة على التكيف الداخلى والمرونة ، كان اكثر قدرة على التغلب على مشكلات التحول .
من الواضح ان نظرية التحديث تميل ميلا وظيفيا شديدا ، فتقترض وجود تغيرات تدريجية ترتبط بعمليات التباين والتكامل .
كما تفترض ان خبرة التغير فى المجتمعات الغربية يمكن ان تتكرر فى المجتمعات النامية .
رابعا: النظريات المادية التاريخية
إذا كانت النظرية الوظيفية تركز على التغير التدريجى التوازنى ، فان المادية التاريخية تركز على التغيرات الثورية التى تنقل المجتمع من حالة الى حالة مناقضة .
وإذا كانت الوظيفية تركز على التكامل والاتفاق ، فان المادية التاريخية تركز على الصراع والتناقض .
الصراع هو المحرك الاساسى للمجتمع ، وتاريخ المجتمعات هو فى التحليل الاخير تاريخ الصراع بين الطبقات .
ترجع الصياغات الاساسية للنظرية المادية التاريخية الى اسهامات كارل ماركس .
ظلت هذه الصياغات تتطور بالحذف او الاضافة حتى يومنا هذا .
ومثلما حدث فى النظرية الوظيفية ، فان كثيرا من القضايا المادية التاريخية واساليبها التحليلية قد استخدمت فى تفسير عمليات التغير فى العالم الثالث .
فى ضوء هذا نلقى نظرة سريعة على صورتين من صور التحليل المادى التاريخى للتغير الاجتماعى .
الاولى : الصورة الماركسية الكلاسيكية .
الثانية : الصورة المرتبطة بتحليل التغير الاجتماعى فى العالم الثالث فيما سمى بنظرية النمو المتكافىء او نظرية النسق الرأسمالى العالمى .
1- النظرية الماركسية :
تنظر الماركسية الى الحياة الاجتماعية على انها دائبة الحركة ، وتمثل حركتها شكلا خاصا من اشكال حركة المادة . انها تحتوى فى داخلها على دوافع التغير وتنطبق عليها نفس قوانين حركة المادة .
الماركسية هى نظرية للتغير الاجتماعى ، ومفهوم التغير يعد مفهوما محوريا فيها .
يتأسس المجتمع على اساس اقتصادى ينحصر فى علاقات الانتاج وانماط الانتاج السائدة فى المرحلة التاريخية ، والاقتصاد يشكل كل عناصر البناء الاجتماعى الاخرى والتى اطلق عليها ماركس البناء الفوقى كالقانون والدولة والاسرة والثقافة .
يحدث التغير الاجتماعى كانعكاس للتغير الذى يطرأ على اساس المجتمع الاقتصادى او بنيته التحتية .
فى مرحلة من مراحل تطورها تدخل القوى الانتاجية فى المجتمع فى تناقض مع علاقات الانتاج السائدة . اى ان علاقات الانتاج تصبح غير ملائمة للتطورات التى تحدث فى قوى الانتاج ، ولذلك فلا بد ان تتغير علاقات الانتاج ، وان تتغير معها كل عناصر البناء الفوقى لتدعم هذا التغير الجديد وتحميه .
هنا تحدث الثورة التى تنقل المجتمع من مرحلة الى مرحلة .
ويشهد المجتمع فى كل مرحلة من مراحل تطوره طبقتين متعارضتين :
واحدة تمتلك قوى الانتاج – والاخرى تشغل هذه القوى وتولد فائضا يعود على الطبقة المالكة .
ويؤدى التحول من مرحلة الى مرحلة الى ظهور تغير فى التركيب الطبقى من خلال ظهور طبقة جديدة تقود ثورة التغير ، لتصبح هى الطبقة المالكة او المهيمنة فى المرحلة الجديدة .
ميز ماركس فى تاريخ المجتمعات بين خمس مراحل تبدأ :
المرحلة البدائية – مرحلة الانتاج الآسيوى –المرحلة الاقطاعية – المرحلة الرأسمالية – المرحلة الشيوعية .
تتميز كل مرحلة بوجود نمط انتاجى معين ، ووجود طبقتين متعارضتين ( فيما عدا المرحلة البدائية والشيوعية حيث يفترض خلوهما من الطبقات والملكية الخاصة ) .
ينظر ماركس الى الصراع الطبقى على انه حالة طبيعية فى المجتمعات ، بل هو المحرك الرئيسى للتاريخ .
فإذا كان التناقض الاجتماعى بين قوى الانتاج وعلاقات الانتاج هو الذى يحرك البناء نحو التغير ، فان الصراع الطبقى ينجز هذه المهمة . والمجتمعات لا تتغير الا بوعى افرادها .ومهمة التغير تقع على كاهل طبقة معينة .
فالطبقة البرجوازية هى التى قادت التغير من الاقطاعى الى الرأسمالى .
ويفترض ماركس ان الطبقة العاملة هى التى ستقود التحول الى الشيوعية .
خامساً : النظريات السيكولوجية – الاجتماعية
تركز على دور الفرد فى التغير الاجتماعى ، وعلى دور الافكار التى يحملها الافراد فى تغير انماط الحياة ومسارها .
تتأسس على فرضية ان التغيرالذى يصيب المجتمع يحدث اساسا فى الافراد ، فالافراد هم الذين يغيرون وهم الذين يتغيرون ، ولهذا فان هناك مكانا للعوامل النفسية فى حركة التغير الاجتماعى .
العوامل النفسية ضرورية لتخلق دينامية التغير الاجتماعى .
العوامل النفسية تدفع المجتمع الى الحركة .
العوامل النفسية تخلق الافراد ذوى القدرات الخاصة .
العوامل تدفع افراد المجتمع الى الخلق والابتكار .
تبلور هذا الاتجاه من خلال اعمال ( ماكس فيبر ) وتطور فيما بعد الى صياغات حديثة كالتالى :
1- الدور التغيرى للافكار : نظرية فيبر
ظهرت اهمية الافكار فى إحداث التغير الاجتماعى من خلال دراسة ماكس فيبر عن الاخلاق البروتستينية وروح الرأسمالية .