رد: ثالث مرة اسال السوال وماتجاوبو
الفصل الرابع
عوائق التغير الإجتماعي
مـــقـــدمــــة :
عرفنا أن المجتمعات تختلف في مدى استجابتها لعملية التغير الاجتماعي ، وأن عوامل التغير ليست على درجة واحدة في التأثير على المجتمعات ، وإنما هناك اختلاف بين المجتمعات في مدى تقبل عملية التغير الاجتماعي ، فبعض منها يظهر التغير فيه على درجة واسعة وعميقة ، وبعضها يظهر مقاومة شديدة له مما يؤدي إلى ضيقه وسطحيته وهذا الاختلاف يعود إلى وجود بعض العوائق التي تتوفر في مجتمع دون أخر .
ولذلك تكون عملية التغير غير مرغوبة وتجد مقاومة لدى أفراد المجتمع ، وهذه العوائق مختلفة وعديدة ويمكن تقسيمها إلى ستة اقسام هي:
أولا: العوائق الإجتماعية .
ثانياً: العوائق الإقتصادية .
ثالثاً : العوائق الأيكولوجية.
رابعاً : العوائق السياسية.
خامساً : العوائق الثقافية.
سادساً : العوائق السيكولوجية.
كما أن كل قسم من هذه الأقسام تندرج تحته جملة من المتغيرات الفرعية متفاوتة في تأثيرها في عملية التغير الاجتماعي .
أولا : العوائق الاجتماعية :
هناك عوائق اجتماعية عديدة تقف أمام التغير الاجتماعي وتظهر بوضوح لدى المجتمعات التقليدية أكثر منها في المجتمعات الحديثة ، وأهم العوائق الإجتماعية ما ما يلي:
1 - الثقافة التقليدية :
يرتبط التغير الاجتماعي إلى حد كبير بثقافة المجتمع السائدة ، فالثقافة التقليدية القائمة على العادات والتقاليد والقيم بوجه عام لا تساعد على حدوث عملية التغير الاجتماعي بيسر ، فالعادات والتقاليد التي تميل إلى الثبات تقاوم التغير وكل تجديد سواء كان مادياً أو معنوياً ، وكلما سادت هذه الثقافة وانتشرت كانت المقاومة أشد وأقوى.
فالأيديولوجية المحافظة التي تتبنى فلسفة تقديس القديم على أنه "ليس بالإمكان الإتيان بأفضل مما كان" ، تؤدي إلى مقاومة كل جديد ، وتسود مثل هذه المعتقدات خاصة عند كبار السن الذين عاشوا أوضاعاً مختلفة عن الأوضاع الحالية ، مما يؤدي إلى الجهل بالتجديد ، والتحديث عامة ، وقديماً قيل "من جهل شيئاً عاداه".
وقد بين وليام أوجبيرن ( W.Ogburn, 1957 ) أن النزعة المحافظة عند كبار السن والميل للمحافظة على القديم واستاتيكية - ثبات – العادات والتقاليد ، كلها متغيرات تقاوم التجديد المادي والتغير بوجه عام .
وتظهر المقاومة بشكل أوسع ، حينما يتعلق التغير بالقيم والمعتقدات التقليدية ، ففي الهند مثلاً يعيش غالبية السكان في حالة سوء تغذية شديدة قد تصل في بعض الأحيان إلى حد المجاعة ، ومع ذلك فإن طائفة الهندوس يقدسون الأبقار ويحرمون ذبحها ويتركونها تتجول في الحقول والمزارع ، مع أن عدها يقدر بحوالي 300 مليون بقرة ، وقد حاول الزعيم نهرو "Nihro" إقناع تلك الطائفة بالمنطق والبرهان بخطأ هذا المعتقد ومع ذلك فليس من مجيب ، كما وأنه ليس من المحتمل ظهور اتجاه تربية الماشية من أجل الغذاء أو أنه سيكون مقبولاً عندهم في المستقبل القريب مادامت التغذية على لحم البقر تخالف معتقدات الهندوس الحالية .
وقد استغل المستعمرون الإنجليز هذا المعتقد فكانوا يذبحون البقر ليلاً ويلقونها في أحياء الهندوس مدعين أن المسلمين هم الذين قاموا بذبحها ، وذلك من أجل الإيقاع بين الطائفتين الهندوسية والمسلمة . إن سيادة مثل هذه المعتقدات القديمة لدى الطوائف تحول دون إحداث عملية التغير والتقدم الاجتماعي عموماً.
وفي بعض المجتمعات العربية هناك اختلاف في النظرة إلى القيم السائدة ، فقد بين محمد الرميحي أن اختلاف النظرة إلى القيم في الكويت بين المواطنين من شأنها أن تعيق عملية التغير والتنمية الاجتماعية عموماً ، وقد ذكر أن وزارة الشؤون الإجتماعية والعمل قد قامت ببحث استطلاعي لقياس اتجاهات مقدمي الطلبات للحصول على قسائم وقروض حول مدى رغبتهم في سكن الشقق عام 1967م، وبلغ عدد الحالات التي بحثت (672) حالة من (1517) طلباً تقدم أصحابها للحصول على قسائم وقروض في الفترة مابين 1962- 1967م أي أن النسبة قد شملت (62%) ، وقد شمل البحث مقدمي الطلبات من العاملين في القطاع الحكومي (3,92%) والقطاع الأهلي (7,7%) وتركز المبحوثون في (22) جهة حكومية من وزارات الداخلية والدفاع والتربية والصحة .. أي أن العينة كانت على مستوى لابأس به من التعليم ، فكانت النتيجة العامة للبحث أن (5,95(% من العينة رفضوا سكنى الشقق ، وكانت أكبر نسبة للرافضين (7,67%) بسبب العادات والتقاليد أي القيم السائدة في المجتمع . لهذا فإن القيم الاجتماعية تفرض نمطاً معيناً من الإسكان ، وهذا المثل يمكن أن ينطبق على الأقطار العربية كافة ، الأمر الذي يؤدي بنا إلى القول : أن هناك قيماً اجتماعية معيقة لعملية التغير الاجتماعي .
كما أن المحافظة على البناء الأسري المتعلق بالأسرة الممتدة من شأنه أن يعيق عملية التغير الاجتماعي ، بعكس بناء الأسرة الصغيرة "الأسرة النووية" . وفي دراسة عن العلاقات الاجتماعية في بعض الأسر الأردنية قام بها مجد الدين خيري على عينة مؤلفة من (274) أسرة نووية تسكن في مختلف مناطق عمان السكنية ، توصل إلى أن صغر حجم الأسرة يؤدي إلى العمل على استمرار التقدم المهني وإلى اكتساب أنماط سلوكية واتجاهات جديدة .
وأن من شأن التنظيم البيروقراطي وانتشاره أن يؤدي إلى تكون الأسرة النووية أي أن عملية التغير ترتبط إلى حد بعيد - من هذه الناحية – بتكون الأسرة الصغيرة وهو نظام اجتماعي سائد في المجتمعات الصناعية المتقدمة .
كما أن تعطيل دور المرأة في المجتمع من شانه أن يعيق عملية التغير الاجتماعي ، ففي المجتمعات ذات الثقافة التقليدية ترتفع نسبة الأمية لدى النساء حيث تصل إلى أكثر من (90%) ، الأمر الذي يحد من فاعلية المرأة وتهميشها في عملية التنمية الاجتماعية ، ومن الجدير بالذكر أن المرأة في المجتمعات العربية من الفئة المضطهدة ، بالإضافة إلى فئة الأطفال والفقراء على حد تعبير هشام الشرابي .
أ ـ طبيعة البناء الطبقي :
لطبيعة البناء الطبقي في المجتمع اثر في قبول أو رفض التغير الاجتماعي . فالنظام الصارم للطبقات الاجتماعية يعيق عملية التغير الاجتماعي ، لأن أنماط التفاعل فيها تكون محدودة نتيجة للانغلاق الطبقي ، فالنظام الطبقي المغلق يحد من درجة التغير كما هو في الهند والباكستان حيث إن النظام الطائفي يحدد نوع المهنة التي تكون مفروضة على فئات معينة في المجتمع ، فنظام الطبقات في الهند Caste يحدد المهن التي يجب أن يتبعها أفرادها ، وتنتقل بفعل عامل الوارثة ، وليس بموجب الكفاءة ، ويكون الميل نحو تعزيز الطرق القديمة التقليدية والالتزام بها . أي أن التماسك الطبقي يحد من عملية التنقل الاجتماعي الذي يكاد يعم في المجتمعات النامية اليوم .
ب ـ الميل للمحافظة على الامتيازات :
تظهر المقاومة للتغير من قبل الأفراد الذين يخشون على زوال مصالحهم تلك المصالح التي قد تكون في المكانة الاجتماعية ، أو الامتيازات الاقتصادية أو الاجتماعية أو غير ذلك . لهذا حينما يشعر أولئك الأفراد بأن امتيازاتهم مهددة بالزوال نتيجة للتجديد ، سرعان ما تقوم المعارضة ، وأمثلة ذلك عديدة في المجتمعات فالطبقة الرأسمالية تحاول أن تبقى على علاقات الإنتاج دون تغيير، الأمر الذي يجعلها تقف معارضة لكل تغيير ايجابي للطبقة العاملة في مجال علاقات الإنتاج التي تتغير بتغير وسائل الإنتاج . والأمر نفسه يحدث من قبل الطبقة العاملة نحو تحقيق المزيد من الامتيازات للطبقة الرأسمالية ، حيث تبدي الطبقة العاملة معارضة شديدة .
وتتعدد أشكال المقاومة بتعدد التغيرات التي تحدث في كافة أنحاء المجتمع . فقد تقاوم الأحزاب السياسية في مجتمع إنشاء أحزاب جديدة حتى لا ينقص عدد المنتسبين إليها، وحتى لا تتفرق أصوات الناخبين أثناء عملية الانتخاب . كما أن الأطباء مثلاً يقاومون أي تغيير في تخفيض أجورهم لصالح المرضى ، وقد تقوم الجماعات المتضررة من عملية التغير بنشر الإشاعات-غير الحقيقية- ضد التغيرات المقترحة كما يقول فوستر ( Foster,1972) . وتظهر المقاومة في مجال استعمال الآلات الحديثة ، حيث قام بتحطيم الآلات في بداية الثورة الصناعية ، حينما أخذت الآلة البخارية تحل محل الآلة اليدوية ، الأمر الذي أدى في البداية إلى الاستغناء عن كثير من العمال في مصانع بريطانيا لهذا قاوم العمال عملية التحديث الصناعي .
وقد قام المؤلف بالإشراف على دراسة ميدانية في شركة الصناعات الحديدية والميكانيكية- سيمكو Simco- بمدينة قسنطينة بالجزائر ، في مجال التغير الاجتماعي للعمال في المصنع عام 1978م على عينة تضم (100) عامل . وقد دلت النتائج أن عمال المؤسسة أبدوا معارضة واضحة (79%) نحو المسيرين الإداريين بسبب أن الإدارة تباطأت في تطبيق التسيير الاشتراكي للمؤسسات الذي يتضمن حقوقا عديدة لصالح العمال المشاركين في العملية الإنتاجية ، وذلك لحداثة تلك الإدارة ، الأمر الذي أثر تأثيراً واضحاً في الحد من طموحات العمال في التغيير نحو الأفضل.
وتظهر المقاومة بوضوح في ميادين عديدة في أنماط الحياة المختلفة السياسية والاقتصادية والعلمية ، وغالباً ما تكون هذه المقاومة نتيجة الجهل بالمتغيرات الجديدة، والخوف على المصالح المستقرة . وبطبيعة الحال فإن المقاومة تكون قوية كلما تعرضت تلك المصالح إلى تغيير كبير.
وقد دلت كثير من الدراسات الاجتماعية النامية على أن الإقطاعيين كانوا يقاومون الإصلاح الزراعي والتأميم للأراضي نظراً لكونها تحد من حيازاتهم للملكية الواسعة . في غياب المؤسسات القانونية الحديثة يظهر ما يسمى بقانون "تصادم المصالح" الذي يظهر لدى كافة فئات المجتمع مما يؤدي إلى إعاقة التغير الاجتماعي بوجه عام.
ج ـ عزلة المجتمع :
إن العزلة قد تكون مفروضة على المجتمع ، كما هو الحال في البلدان الخاضعة للاستعمار ، وكذلك بالنسبة لحالة الزنوج في أمريكا الذين يعيشون في مناطق منعزلة خاصة بهم تعرف باسم "المناطق السوداء" وقد تكون عزلة ذاتية يفرضها المجتمع على نفسه ، كما حدث في روسيا بعد الثورة البلشيفية عام 1917 ، أو إقامة اليهود في مناطق أو أحياء خاصة بهم بهدف المحافظة على أصولهم السلالية والقومية والدينية والثقافية .
د ـ المحافظة على القيم والخوف من التغير :
غالباً ما تقف الفئات المحافظة في المجتمع عقبة أمام إحداث التغير الاجتماعي حرصاً على أوضاعهم التقليدية وخوفاً من ضياع حقوقها المكتسبة ، كما وقفت قريش في وجه الدعوة الإسلامية وحاربت ظهور الدين الإسلامي خوفاً على مركزها التجاري والاجتماعي البارز في ذلك الوقت من الضياع . وكما قاوم ملاك الأراضي الزراعية في النصف الأول من القرن التاسع انتشار السكك الحديدية في أوروبا، لأن ذلك في رأيهم يؤدي إلى نهب الريف من ناحية ، كما أنها تخيف الجياد من ناحية أخرى.
وبجانب هذا الموقف المعارض للتغير الاجتماعي من جانب الفئة المحافظة حفاظاً على حقوقها المكتسبة فإنها تخشى قبول التغير أيضاً لما يترتب على ذلك من تغيرات في مكونات البناء وعناصر الثقافة . إضافة إلى أن الأفكار الجديدة الداعية إلى التغير غالباً ما تتعرض للمقاومة الشديدة نتيجة التعصب للقديم وتقديس بعض جوانب الحياة . وكلما كانت القيم أقرب إلى الجمود أصبح من الصعب أن نستبدل بالأوضاع القائمة في المجتمع أوضاعاً أخرى جديدة . مثال ذلك موقف الطائفة الهندوسية من البقر والدعوة إلى تقديسها ، إنه يقف حائلاً دون قبول أي تغيير خاص بتحسين استغلال الثروة الحيوانية التي يمكن أن تلعب دوراً كبيراً في الاقتصاد القومي الهندي.
هـ ـ تماسك الجماعة :
في المجتمعات الريفية التقليدية يتمسك الناس بفكرة مثالية تنعكس في إحساسهم بالالتزام المتبادل داخل إطار الأسرة والجماعة من الأصحاب ، وتفضيلهم العام للانتماء إلى جماعة صغيرة والرغبة في انتقاد أي فرد ينحرف عن السلوك المعتاد .
و ـ عدم التجانس في تركيب المجتمع :
إن اختلاف الأفراد الذين يتكون منهم المجتمع من حيث النوع والسن والتعليم والمهنة، والمركز الاجتماعي ، والوضع الطبقي ، والديانة يؤدي إلى عدم تجانسهم وتضارب مصالحهم ، بحيث أن أي تغير جديد قد يلقى معارضة من بعض الأفراد الآخرين ، وموافقة من البعض الآخر ، وذلك على العكس من التجانس في تركيب المجتمع الذي يسمح بإحداث التغير في مختلف مجالات الحياة الاجتماعية .
أما حسب رأي عدلي أبو طاحون في كتابه في التغير الاجتماعي (1997) ، يرى إن العوائق الاجتماعية للتغير تتعلق بالعناصر التالية :
أ ـ الالتزام المتبادل داخل الأسرة والجماعات القرابية والأصدقاء :
التوقعات المرتبطة بالمهام الفردية بالمجتمعات الريفية تعد من المسلمات الاجتماعية أي أنها ليست اختيارية أو متروكة لحرية الأفراد. وتبدو هذه الالتزامات قوية جدا وهامة في وقت الأزمات مثل حالات الوفاة ، المجاعة وغيرها .
وهذا النمط التبادلي لا يتمشى في اغلب الأحيان مع الاتجاه الفردي والذي يميز عملية التحضر والتصنيع التي تتميز بقوة الالتزامات المتبادلة فيها ، خاصة في طور الانتقال حيث يكون كالفرملة لعملية التغير . ومن الأمثلة على ذلك محاولة إدخال وسائل حديثة لصيد الأسماك في بيرو مثلا ، فهي لم تشكل سلوكا ايجابيا نحو استعمالها من قبل الصيادين وذلك بسبب عدم سيادة نظام الأسرة الممتدة أو المركبة ، وبالتاي فان الزيادة في الدخل لن تعود عليه بالفائدة المرجوة بل انها ستزيد من الالتزامات المتعلقة به ومن مسؤولياته .
ب ـ ديناميكيات الجماعة الصغيرة :
الإحساس بالانتماء الشخصي للجماعات الصغيرة أو المجتمعات المحلية يشكل موضوعا حيويا لمعظم الناس ، لأنه يوفر الاطمئنان السيكولوجي والارتياح والرضا النفسي مما يساهم في إتمام الأعمال اليومية ، وسبب ذلك أن الجماعات الصغيرة تعطي الأفراد المنتمين إليها الإطار المريح للعمل بداخلها . ويتضح ذلك مما نراه كثيرا من تضحية الكثير من الناس بمكاسبهم الاقتصادية في سبيل الإبقاء على تماسك هذه الجماعة .
مثال على ذلك : ترفض الفلاحات في بعض الأحيان غسيل الملابس بالمنزل ويفضلن الغسيل في الترعة لكي يتسامرن ويتحدثن بالرغم من توافر سبل الراحة بالمنزل .
ج ـ الرأي العام :
تظهر أهمية وحدة الجماعة الصغيرة في تنفيذ العديد من برامج التغيير الموجهة وفي نفس الوقت نلاحظ أن الرأي العام قد يؤثر بقوة على سلوك الأفراد داخل الجماعة أحيانا فيكون غير مشجع لأعضاء الجماعة المبتكرين . مثال على ذلك : قام احد القادة المحليين الناجحين في الهند بعمل مشروع لتربية الدواجن باعتباره مشروعا اقتصاديا لسياح (تاج محل) لكن الناس قاطعوه باعتبارهم نباتيين ، فتوقف المشروع .
2 ـ النزاعات :
تسود لدينا فكرة بان المجتمعات الريفية يسودها التماسك الاجتماعي والاتفاق العام بين أهل القرية إلا أن الأمر لا يسلم من وجود بغض الخلافات والنزاعات الحزبية والتي تؤدي إلى تجزئة القرية إلى أجزاء متصارعة .
أ ـ التحزبات :
يجب أن تجري البرامج الموجهة للجماهير بطريقة تسمح لعدد كبير من الناس بالاشتراك فيها ، وبالتالي يمكن تقليل معارضتها ، ولكن المجتمعات التي تكون في طور انتقال الحزبيات والانقسامات غالبا ، لذا نجد انه إذا أخذت مجموعة أو حزب بفكرة معينة فان المجموعة المضادة سترفض هذه الفكرة دون تقييمها أو حتى التفكير فيها . وهذه الصورة أوضح ما تكون بالهند وباكستان ، فإننا نجد أن الأخصائي إذا تقرب من حزب ما ، ثم عرض فكرة جديدة فان الحزب الموالي له سيقبلها لمجرد انه يواليه ، والحزب المضاد سيرفضها لأنه يضاد ذلك الحزب فقط . وبالتالي سيفشل المشروع أو ينجح جزئيا .
ب ـ ذوو المصلحة الخاصة ( الجماعات المصلحية )
إن كثيرا من التغيرات الاجتماعية والاقتصادية المشجعة عالميا تفسر في الوقت الحاضر على انها محددة لامان بعض الأفراد والجماعات ، فمثلا نجد أن بعض كبار الملاك الزراعيين يعارضون برامج تعليم المستأجرين أو برامج إعادة توزيع الأراضي الزراعية ، وبالمثل معارضة التجار والمقرضين لإنشاء جمعيات تعاونية ، لان هؤلاء الأفراد ذوي المصلحة الخاصة لهم قوتهم في التأثير على باقي الأفراد بالمجتمع وأبعادهم عن هذه البرامج واكبر عمل لهم هو نشر الشائعات والتقليل من قيمة هذه البرامج .
ج ـ مصادر السلطة :
في مجتمع القرية يقع جانب كبير من السلطة في نطاق الأسرة طبقا للتقاليد الموضوعة وتوجد أنواع أخرى من السلطة داخل البنيان السياسي ، كذلك فانه قد توجد متمركزة في أيدي بعض الشخصيات الفريدة في نوعها الذين لهم تأثيرهم المباشر على تصرفات باقي الأفراد ، دون أن يكون لذلك صفة رسمية ، بالإضافة لذلك توجد أنواع اخرى من السلطة خارج نطاق القرية والتي يكون لها تأثير اقوى من السلطة المحلية وهي خاصية تتميز بها المجتمعات التقليدية ، والتي تشمل السلطة داخل نطاق الأسرة ، وداخل البنيان السياسي والاجتماعي وسلطة الشخص الفريد .
ثانيا : العوائق الاقتصادية :
تأتي مقاومة التغير نتيجة لعوامل اقتصادية مختلفة فالمجتمعات تختلف فيما بينها حسب تنوع هذه العوامل ، وبالتالي تختلف درجة التغير الاجتماعي فالتجديدات التكنولوجية المستمرة تؤدي إلى التغير السريع كما هو حادث في المجتمعات الصناعية المتقدمة ، وكذلك فان نشاط حركة الاختراعات العلمية المستمرة من شأنه أن يودي إلى سرعة التغير . وهناك متغيرات عديدة بالموارد الاقتصادية المتاحة وبالقدرة الشرائية للمواطنين وغير ذلك . وهي عوامل تلعب دورا مؤثرا في عملية التغير الاجتماعي ، ومن أهم تلك العوامل :
1 ـ ركود حركة الاختراعات والاكتشافات العلمية :
هي نتيجة انعدام روح الابتكار والتجديد ، وتعود إلى عوامل فرعية كثيرة منها: انخفاض المستوى العلمي والمستوى الاجتماعي بوجه عام ، وعدم وجود الحاجة الملحة الدافعة إلى الاختراع مع ملاحظة أن الشعور بالحاجة وحده لا يكفي للاختراع، إذ لابد من توفر المستوى العلمي والتكنولوجي ، فهناك مجتمعات في أمس الحاجة إلى اكتشاف ثرواتها من معادن وبترول وغير ذلك ، إلا أن قصور المستوى التكنولوجي يحول دون الانتفاع بهذه الثروات الطبيعية وغيرها ، من أجل تحقيق التغير المطلوب نحو التقدم والتنمية ، ولهذا لابد من توفر الشروط التكنولوجية بالإضافة إلى المناخ الثقافي الملائم لكي يصبح الاختراع ممكناً.
ومن البديهي أن شروط الاختراع تتطلب وجود الشخص القادر، والإمكانيات اللازمة والبيئة الاجتماعية الملائمة ، فأي اختراع جديد لا يجد طريقه في المجتمع لن يؤدي إلى الهدف الذي قام من أجله ، ولهذا فإن الذكاء لدى المخترع لا يكفي وحده ما لم يتوفر المناخ الاجتماعي الملائم ، والدليل على ذلك أنه أحياناً تسود معتقدات مختلفة داخل المجمع تمنع انتشار الاختراع أو الاكتشاف الجديد . وقد بين نمكوف (Nimkoff) أن الاختراعات تعتمد على القدرة العقلية والحاجة والمعرفة القائمة .
ولهذا فإن القبول الاجتماعي يعتمد على طبيعة الاختراع من حيث الملائمة، والتكلفة وعلى مكانة المخترع وثقافة الفرد المستقبل للاختراع ، كل ذلك له أكبر الأثر في انتشار الاختراع الذي يؤدي بدوره إلى التغير الاجتماعي . ولذلك فإن إتاحة الفرصة أمام أصحاب المواهب ورعايتهم وتوجيههم تؤدي لتحقيق الاكتشافات والاختراعات العلمية المتنوعة . وأن توفير الأدوات والمواد اللازمة من معامل مخبرية ، وأدوات تكنولوجية وغير ذلك من شأنه أن يشجع البحث العلمي ، مما يزيد في الاختراعات ويعمق فائدتها لدى المجتمع ، وعلى النقيض من ذلك فإن نقص الإمكانات الاقتصادية اللازمة يحول دون تقدم الاختراعات ، وبالتالي إعاقة عملية التغير الاجتماعي .
2 ـ التكلفة المالية :
في كثير من الحالات ، يرغب الأفراد في امتلاك المخترعات التكنولوجية إلا أن ارتفاع تكلفتها المالية يحول دون تحقيق ذلك . أي أن توفر الرغبة لا يكفي ، مالم تتوفر القدرة المالية التي تسمح بالاقتناء .
ان كثيرا من الأفراد يرغبون في اقتناء الآلات الكهربائية والوسائل المادية الحديثة ، غير ان عدم وجود القدرة المالية يمنع من تحقيق تلك الرغبات . فالتأمينات الاجتماعية فكرة مرغوبة لدى المجتمعات كافة إلا ان عدم توفر الشروط المادية لا يسمح بتنفيذها ، أي إن ما ينطبق على الأفراد ينطبق على المجتمعات .
ويرتبط الموقف تجاه التجديد بمدى الفائدة الاقتصادية المتوقعة منه من ناحية عامة فكلما تحققت فائدة أعلى كان الإقبال اعم واشمل .
وقد أشار روجر إلى أن قبول التجديد (التغير) لدى الريفيين يتم إذا تحققت فائدة تتجاوز (10%) أما دون ذلك فلا يؤخذ بالتجديد من ناحية عامة .
أما إبراهيم أبو لغد فقد توصل إلى نتيجة مختلفة ، مبينا ان الأخذ بالتجديد يتأثر بالموقف الاجتماعي رغم الفائدة المالية ، ففي ميدان الزراعة والإرشاد الزراعي ذكر ان أخصائيا زراعيا في إحدى القرى المصرية أراد إدخال زراعة "الذرة الهجين" في المنطقة التي يعمل بها ، ونجح في إقناع عدد من الأهالي بزراعة هذا النوع ، وقد زاد عدد من قاموا بزراعته فارتفع مستوى الدخل في تلك المنطقة بما لا يقل عن (15%) ، ولكنهم انصرفوا عن زراعته في الموسم التالي رغم الفائدة التي تحققت ، وتبين أن السبب في ذلك يعود إلى أن نساء تلك المنطقة لم يرتحن إلى عجن دقيق الذرة الهجين .
أي إن الموقف الاجتماعي يجب أن يؤخذ بالاعتبار كعامل مؤثر في عملية التغير يضاف إلى العامل السابق وان تحقيق الفائدة المادية ليس هو العامل الحاسم أو الوحيد في تبني التجديد .
3 ـ محدودية المصادر الاقتصادية :
إن شح الموارد الاقتصادية لدى المجتمعات من شانه ان يعيق عملية التغير الاجتماعي ، فالمجتمعات التي لا تتوافر فيها الثروة المعدنية أو الطبيعية لا تحدث فيها تغيرات اجتماعية كبيرة ، ولهذا فان المجتمعات النامية والفقيرة منها لا تستطيع أن تلبي حاجات أفرادها فتبقى على مستوى الكفاف ، وينخفض فيها التراكم الرأسمالي الذي يؤدي بدوره إلى انخفاض معدل الاستثمار . في حين ان المجتمعات الصناعة المتقدمة ذات الموارد الاقتصادية العالية تقوم فيها عمليات التغير بسهولة ويسر ، فالمصادر الاقتصادية في المجتمع تساعد في إنجاح خطط التنمية بينما الاقتصاد المتخلف يعيق عملية التنمية بوجه عام ، وصف البرتيني الاقتصاد المتخلف بثلاث خصائص :
أ ـ أنه اقتصاد تقليدي : ويسود الزراعة فيه أنماط بدائية الإنتاج ، وكثيرا مايكون هذا الاقتصاد منعكفا على نفسه ، مفتقرا إلى إنتاج كافي ، مما يجعله مقطوعا جزئيا عن باقي الاقتصاد .
ب ـ يتصف الاقتصاد المديني فيه بضعف الإنتاج ، ولا ينتج إلا القليل مما يستهلك والباقي يستورد من الخارج ، أي هو اقتصاد تابع في الدرجة الأولى ، ولا تتوفر فيه الجدوى الاقتصادية .
ج ـ يتميز باقتصاد الشركات متعددة الجنسيات التي تقوم على خدمة مصالحها الخاصة في الدرجة الأولى وغير منسجمة في إنتاجها وتشغيلها مع البلد النامي ، بالإضافة إلى ان أرباحها تذهب للخارج ولا تعود بالفائدة على بلدان المجتمعات النامية .
وعموما يؤدي نقص الموارد الاقتصادية إلى محدودية عملية التغير وإعاقتها ، وغالبا "فالمجتمعات القومية في البلاد النامية تطلب مستوى من الحياة يقعدها عنه الفقر،ويحول بينها وبينه العجز المادي ، حتى الأفراد فكثيرون أولئك الذين يطمعون في أنماط من الحياة يحسونها ويحسون الحاجة إليها وما يصدهم عنها إلا قلة الوسائل إليها .
إن الوسائل المادية لا يمكن الحصول عليها إلا بالمال ، وكذلك الاختراعات والمصانع وغير ذلك . فالمقدرة المادية هي التي تساعد في الحصول على ذلك ، وفي غيابها تلغى عملية التغير وتبقى أمنية فقط ، وهي تفسر لنا سبب كثرة وسرعة التغير الاجتماعي في المجتمعات المتقدمة دون المجتمعات النامية .
ثالثا : العوائق الأيكولوجية :
ان تأثير البيئة الطبيعية على المجتمعات واضح سواء كان إيجابا أم سلبا . فالبيئة الطبيعية من مناخ وسهول وجبال وانهار.... تؤثر في تكوين حضارة المجتمعات، فقد قامت الحضارات القديمة مثل : حضارة البابليين والأشوريين والفراعنة وغيرها حول المناطق الغنية خاصة حول ضفاف الأنهار ، فكان ليسر الحياة وغناها الأثر الكبير في نشوء الحضارة دون غيرها . وقد بنيت حضارة الولايات المتحدة الأمريكية في العصر الحالي على الزراعة نتيجة لغنى "البلاد الجديدة" .
وعلى النقيض من ذلك ، فان شح الموارد الطبيعية يعيق عملية التغير ، وبناء حضارة كبيرة ، فالعزلة الطبيعية التي تعيشها المجتمعات نتيجة إحاطتها بالصحراء أو بمنطقة جبلية وعرة المسالك ، من شانها ان تعيق اتصال المجتمع بغيره من المجتمعات الأخرى . أي ان الموقع الجغرافي في هذه الحالة يفرض على المجتمع عزلة طبيعية "ايكولوجية" تعيق التغير الاجتماعي فيه . فبلاد اليمن مثلا نتيجة إحاطتها بالجبال في الدرجة الأولى ، ولعوامل سياسية واقتصادية في الدرجة الثانية ، تأخرت عن غيرها من المجتمعات المجاورة إلا أن هذه العزلة بدأت تخف حدتها في الوقت الراهن أمام ثورة المواصلات والتقدم التكنولوجي بوجه عام .
وتؤدي العوائق الاقتصادية مع عوائق اخرى إلى تكوين الانغلاق الطبقي والى استاتيكية العادات والتقاليد ، وركود حركة الاختراعات والتجديد وما إلى ذلك ، وانطلاقا من ذلك فان عملية التغير الاجتماعي تكون بطيئة وغير واعية . وبالمقابل فان سهولة اتصال المجتمع بغيره من المجتمعات الأخرى تؤدي إلى تفاعل اجتماعي واسع ، فعملية الانتشار الثقافي كما تبين سابقا تساهم إلى حد كبير في التغير الاجتماعي .
تااااااابع ..
|