يقال: لولا اختلاف الناس لبارت السلع، وتحكى هذه المقولة في سياق بيان التباين والاختلاف الشديدين بين الناس في الأذواق والاهتمامات والأراء، ولدرجات قد تصل لحد الغرابة التي تلجم العاقل الحصيف، وكلٌ يرى ما لا يرى الآخر، ولا تلازم بين مخالفة الآخر لنا والخطأ المحض، ولناس فيما يعشقون مذاهبُ ،كما يقال. ومع أننا لا نسلم بكل اختلاف بين الناس-أخص مجتمعنا- بحجة أن الاختلاف في الأذواق والاختيارات أمر جبلي لا يعارضه إلا جاهل أو مكابر- فمن الاستحالة اتفاق الناس في كل أمرٍ - إلا أننا وبالعموم يفترض بنا أن نقدر هذا الأمر ونعطيه مزيد اهتمام في حياتنا وتعايشنا مع الآخرين فنترجمه لواقع نغض الطرف فيه عما نُخالَف فيه وإن لم يعجبنا مادام الأمر لم يتجاوز نطاق الشريعة والدين ، وإن حدث تجاوز للدين فيُتصرف بحسب ما يستدعيه الموقف بعيدا عن الشخصنة وإطلاق الأحكام جزافا، والتي قد تخرج المرء من دينه. في الحقيقة، أن مما يبعث على الأسى ، ويمضُّ القلب أن تجد نفسك تُدخل وبالقوة الجبرية معمعة التصنيف لمجرد أنك لا ترى رأي فلانٍ من الناس، سواء أكان الرأي سياسيا أم أدبيا أو اقتصاديا حتى، مع أنك تحاول جاهدا نفض غبار هذه المسميات والألقاب عن نفسك لأنك ترى في نفسك البحث عن الحقيقة أنَّى تكون، وعن الرأي الصحيح أيا يكن حامله، ولأي مذهبٍ ينتمي إليه قائله، لكن لا يجدي كل هذا مادمت تخاطب عقولا صلدة، تشربت التعصب للطريقة التي تسير عليها حدَّ الثمالة، فيستحيل أن ترى-تلك العقول- في مخالفتك لها أمرا عاديا، بل أنها تتوجس منك خيفة، وتراك العدو وإن كنت الوداعة كلها، كل هذا لأجل أن خالفتها، وعلى طريقة هولاكو العصر"بوش الابن" :إذا لم تكن معي فأنت ضدي، فتصير من ضمن محور الشر خاصتها، فلتوطن نفسك على أي حربٍ قد تُشن على حين غِّرة، وشر البلية ما يضحك كما قيل. من الأمور الحميدة التي تتميز بها شريعة الإسلام الغراء هو موافقة هذه الشريعة لفطرة النفس البشرية، ثم الفسحة الكبيرة التي تمتاز بها عن غيرها من الشرائع، فنحن نرى ونشاهد هذه الحملات التي تشن من قبل قطب العالم الأوحد ورأس إبليس اللعين"أمريكا" ومن لف لفها على الإسلام وأهله، وبالرغم من كل هذا لا تفلح محاولاتهم البائسة في قطع شريان الدين العظيم هذا، بل تزيده قوةً إلى قوته ،ورب ضرةٍ نافعة، والواقع من يقول هذا وبأفواه الأعداء أنفسهم ودخول الأفواج الكثيرة هذا الدين العظيم دون قسر أو إجبار خير دليل وأوضح برهان. في الحقيقة، أن هذا أمر جيد يبعث على السعادة، ولكن حين يتدبر مريد الدخول في هذا الدين الجديد حالَنا-نحن المسلمين- وماهية التطبيق لهذا الدين يجد عدة أمور متناقضة متعارضة وما علمه وقرأه عن هذا الدين بحيث قد تصرفه عن التفكير في الدخول لدين الجديد هذا، ومن هذه الأمور ما تحدثتُ عنه سلفا من شيوع تصنيف الناس لدرجة مهولة و كارثية إن لم يُتدارك الأمر، وسيسأل كلٌ منا عن هذا الأمر، فليس من المعقول ولا من المنطق أن تكون علمانيا لمجرد أن تقول برأي يتكيء على أقوى الأدلة لمجرد أن السائد لا يرتضي هذا ويعارضه، وفي المقابل ليس من المنطق ولا من الحصافة في شيء أن تكون"رجعيا" أو متخلفا لمجرد أنك تعارض فكرة إنشاء دارٍ للسينما وكأننا سنغزو الفضاء إن تم هذا الأمر، وبغض النظر عن تأيدي لهذا الأمر من عدمه ، أو تكون غير مثقف إن خلت عباراتك من أحدث المصطلحات والرموز الإيحائية، وكأننا في معرض استعراض لغوي مفرداتي لا إرادة إفهام المتلقي بأبسط الأساليب والطرق.
جمعني حديث مع صديق تحدثنا فيه عن الاختلاف فيما بين الناس، وأنه سنة كونية لا تبديل لها، وأن اجتماع الناس على رأي واحد لا يمكن أن يحدث إلا إذا اجتمع الليل والنهار في آن، وأنه يفترض بنا أن نحمل مخالفة الآخر لنا على أحسن المحامل ما استطعنا لذلك سبيلا، وأن رأي الآخر ، فكان أن سألتُه عن أمور فيما لو حدثت في مجتمعنا، وكيف يرى من يقول بها؟ فأجابني-بما معناه-: هذا غير معقول البتة، ومن يقول بهذا علماني، مع أني أثق تمام الثقة أنه لا يعرف من هذا المصطلح إلا اسمه، ولا يعلم أن بين العلمانية وبين الإسلام كما بين المشرق والمغرب. بينما قد تجد من الطرف الآخر من هو متطرف لأبعد حد"ويا ويلك وسواد ليلك" إن سولت لك نفسك بأن تخالفه، وإلا صرتَ رجعيا، وكم نرى ونشاهد هذين الصنفين في إعلامنا.